19/07/2011

الطنطورية... سرد جريء للرواية الفلسطينية

نشرت في مجلة الهدف العدد 1440 تموز 2011

الطنطورية للكاتبة المصرية رضوى عاشور، أتمت كتابتها في 5 ديسمبر 2009 لتشر بعدها بأشهر قليلة في عام 2010 عن دار الشروق.

تروى الأحداث على لسان الشخصية الرئيسية " رقية" حيث تخبرنا في الفصل السادس والعشرون عن طلب ابنها حسن كتابة هذه الأحداث لتختزل في الذاكرة الجمعية للشعب والقضية، تركز الرواية في سردها على الغرض من كتابتها وهو حفظ الرواية الفلسطينية( السرد الفلسطيني) من النسيان، واعتقد أن الكاتبة نجحت في ذلك بشكل باهر فالأغاني الشعبية زخر فيها النص وراعت فيها الكاتبة بأن تنقلها كما هي في فترتين إحداهما قبل النكبة والثانية بعدها حيث نرى في هذه الفترة تغيير كلمات الأغاني لتحمل معاني التشرد واللجوء والشوق للعودة للوطن، ولعل عرس حسن في اليونان كان خير مثال على إبراز الأغاني الشعبية الفلسطينية بتلاوينها المختلفة، وأيضا جزء مهم من آلاتها الموسيقية (الطبلة والشبابة) وفي هذا رمزية بالغة الأهمية تتعلق بالمكان والمدعوين الذين كان قسم منهم يونانيين عاديين ارتادوا المطعم الذي أقيم فيه العرس.

المأكولات الشعبية الفلسطينية مثل المسخن، المقلوبة، الكبة بلبن، فطائر الزعتر والسبانخ، الكنافة النابلسية وغيرها ذكرت في الرواية بشكل تدل فيه على حرص الإنسان الفلسطيني على إعدادها وتناولها، واعتقد أنها خدمت غرض السرد في ظل محاولة سرقة هذه الأكلات الشعبية لحساب المائدة "الإسرائيلية" المزعومة.

لخدمة هدف السرد جاءت الأمثال الشعبية على لسان "الختيارية" والثوب المطرز الفلاحي وسؤال الأوروبي عنه (كثوب إسرائيلي) ومدافعة "وصال" عن أصل الثوب الفلسطيني وصمت سمير حيال ذلك الذي أيضا يرمز لعدم وعي جزء كبير من الشباب الفلسطيني لأبعاد قضيته وساحات النضال الرئيسية والتي من أهمها التراث الحضاري والثقافي للشعب الفلسطيني، عدم الوعي هذا الذي يجعلهم ضحية للاندفاع وراء المشاعر أو الأكاذيب والدعايات الرخيصة.

وتطرح الرواية بخصوص هذا الموضوع قضية تاريخية بقدر كبير من الأهمية، عندما قام "الإسرائيليون" أثناء غزو لبنان بمصادرة الوثائق والمستندات والكتب التي تعود لمركز الأبحاث الفلسطينية، رغم انه كان هناك خطة سرية ومحكمة لتهريب هذه المقتنيات وحماتيها عند أي خطر على حسب رواية أنيس الصايغ مدير المركز ولكن هذه الخطة لم تنفذ وهنا يتساءل الصايغ عن السبب!!.. وانتهت القضية بفقدان المكتب وضياعها بالجزائر بعد تسليمها من قبل "الإسرائيليين" وبعد أن رفضت القاهرة استلام الوثائق والكتب كهدية ووصل قسم منها على شواطئ أسدود و"إسرائيل" تهدد بإتلافها والمنظمة لا تجيب!!.. هنا تلامس رضوى الجرح الفلسطيني بيد من ملح لتعمق التناقض في نفسية القارئ بأن الصهيونية لم تكن وحدها السبب!!.

وما تطرق إليه الرواية أيضا هو الدور الذي لعبته شخصيات الرواية التي تمثل نماذج مهمة من المكون الاجتماعي الفلسطيني، وتغير هذا الدور من فترة إلى أخرى حسب المرحلة، "فرقية" التي كانت تشارك بالمظاهرات والجنازات وطباعة البيانات لشباب التنظيمات، ودروس محو الأمية وغيرها من الأنشطة الوطنية والنسوية التي قامت بها أثناء الحرب الأهلية والغزو "الإسرائيلي" في لبنان، ثم كتابة شهادتها لتكمل سطوراً في القصة أو تؤكد أخرى.

وعبد الذي كان مقاتلا في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين واستمراره بالقتال حتى بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وعدم وجود قيادة تنظم المقاومة، عبد الناقم على سياسات أبو عمار والمنظمة والذي ترك دراسة الهندسة المعمارية قبل تخرجه بسنة وقام بدراسة المحاماة ليستطيع رفع قضايا على مجرمي الحرب الإسرائيليين، عبد الذي كان يشتم ببذاءة ويسب الذات الإلهية والدين ويحمل سلاحه، هل سيستطيع أن يسلك هذا الدرب السلمي؟ الأمر الذي جعل صادق يقول له: هل ذهبت إلى مصر أو قابلت أبو عمار؟.

حسن الذي أصبح ناشطاً صحفياً وكاتب رواية، وصادق الذي أصبح يمتلك أموالا طائلة في الخليج، وكانت بعض تصرفاته وأقواله تقر بأنه أصبح من المترفين رغم انه يساعد طلبة لإكمال تعليمهم في مخيمات لبنان ويساعد بعض المؤسسات الفلسطينية، ولكن هل هذا يكفي؟ هل رضوى أشارت إلى عدم كفاية هذا الدور ولم تخبرنا بذلك على لسان رقية لأنه ابنها؟.


مريم التي غادرت لبنان وهي طفلة وترعرعت بشكل حقيقي في دول الخليج ليسحبها التيار باتجاه البحث عن الذات والنجاح الشخصي والحياة الصاخبة، التي لم يربطها في فلسطين سوى موضوع التعبير في المدرسة عن ناجي العلي والأغاني الشعبية الفلسطينية التي تغنيها بالمناسبات، وهنا اعتقد أن الكاتبة نجحت في توصيف هذه الشخصية بشكل ذكي وحقيقي.

إن ما يستوجب الوقوف عنده المتغيرات النفسية عند رقية ودرجة الوعي في كل مرحلة زمنية، حيث وفقت الكاتبة في إبراز ذلك وفتح على مداه الأقصى ليرسم لنا صورة رقية المنحازة بالمطلق لشعبها وقضيتها.

تذكر الرواية أحداث مختلفة من تاريخ الشعب الفلسطيني التي تثير تساؤلات عديدة مثل الغموض الذي ما زال يلف حقيقة سقوط المدن الفلسطينية تباعاً، حال الفلسطينيين في لبنان والنظرة النمطية لهم قبل الحرب الأهلية وبعدها، التغيير الاجتماعي في المخيمات بعد خروج المكتب الثاني ودخول المقاومة، الفصائل الفلسطينية واشتباكاتها المتكررة في ما بينها، حقيقة اغتصاب الفتيات الفلسطينيات على يد "الإسرائيليين" في نكبة عام 1948، علاقة أبو عمار في عملية اغتيال ناجي العلي، توقيع اتفاقية أوسلو، وغيرها من الأحداث التي يلفها الغموض أو يشوبها الكثير من تزوير الحقائق مما ساعد ذلك على تعميق التناقض في نفسية القارئ وزلزلة اليقين واستثارته على المستوى العقلي والوجداني.

تصل قمة التناقضات في الرواية عند عودة رقية إلى صيدا وذهابها إلى الجنوب اللبناني بعد تحريره في عام 2000 لرؤية فلسطين ومجموعة من فلسطينيين ال48 حيث قامت إحدى النسوة بالدعاء للسيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، أثناء الرحلة بالباص، ثم قيام بعض الشباب بالهتاف لأبو عمار ليسود التوتر،لقاء حسن وزوجته وأبناءه وتسليم المفتاح لرقية الصغيرة، ثم ناجي الرسام الصغير الكادح، هل انحازت الرواية إلى الفعل المقاوم؟ هل دعت إلى البدء "من الأول"؟ أعتقد ذلك.

بما يتعلق بالعبارات والتراكيب فقد جاءت بسيطة ولعل ذلك لكونها تروى على لسان امرأة كرقية لم تنل قدر كبير من التعليم والثقافة، وذلك لم يمنع وجود صور غنية وقوية، واللغة بشكل عام تتناسب مع مستوى الوعي والثقافة لدى الشخصيات وهذا شأن الأدب الواقعي.

جاءت العامية في النص بلا تكلف، مباشرة وتخدم السياق الذي تروى فيه،وغيرها لتتناسب مع الشخصيات التي تقولها، واعتقد أن إبراز مثل هذه الكلمات يعطي للرواية مصداقية اكبر لكونها تنقل صورة مباشرة عن بعض جوانب المجتمع الفلسطيني الاجتماعية.

الطنطورية، قصة تشرد شعب، تروي أخطاء تاريخية غير مبررة تروى ببساطة وبتساؤلات بديهية، وتعطينا نتائج أكثر عمقاً، وتجيب على تساؤلات نحن بأشد الحاجة لأن نعرف إجاباتها.

الطنطورية، تزج بكل قواها في معركتنا الحالية، ولتدافع عن حصننا الأخير: المقاومة.

1 التعليقات:

دعاء يقول...

رواية مدهشة، دسمة بالتفاصيل على بساطتها، تقول كل شيء دون أن تقول الكثير، تخرج التاريخ الفلسطيني من الخطب إلى الشرفة والزقاق والمطبخ وغرفة المستشفى والماخور.. تعيده إلى حيث صنع، بأيدي الجنود المجهولين أمثال رقية