22/01/2012

ما بعد السقاطة 2

(1)

أن نصارح أنفسنا أن هناك تناقضات في داخلنا، وأن تأجيل وعيها في مسارها التطوري أو إلغائه يؤدي بنا الى أن نكون أوهاماً انسانية بائسة، مشوهه

بعيدة كل البعد عن الجوهر، متشبثة بالمظاهر.. إن تستطيح الظواهر وعدم التفكير بما رافقنا منذ بدايات حياتنا من معتقدات وقيم، وسلوكيات

كونت ما نحن عليه اليوم، محاولات ترويض الإنسانية ليس عن طريق الظلم والعبودية فقط، بل وتعليمها كيف تكون عبدة لعبوديتها، وأن تخشى حريتها

أنا شخصياً أعتقد أن المرحلة الحالية من التاريخ، هي أسوء فترة مرت على البشرية جمعاء، من يستطيع أن يساعدني في إدراك فترة أسوء وأكثر إنحطاطا

في حلم البشرية من يومنا هذا؟.

التعامل مع الواقع دون وعيه وإدراكه يساهم في تأبيده وتطوره في مساره الخاص ليجعلك أكثر عبودية، شخصياً لا أعتقد أن التاريخ سينحاز لوحده لقيم الحرية والعدالة،

عمر الإمبريالية ما زال قصيراً مقارنة مع مجتمع المشاعية البدائية، حتى أن مفهوم الدولة الحالي لا يزال جديد العهد على التاريخ، ولكن ما أود الاشارة إليه التطور المخيف والخطير في مفاهيم

العبودية هذه، نتيجة لزيادة تراكم المعرفة الانسانية والتحكم بهذه المعرفة عن طريق مجموعات معينة من البشر، تتحكم في موارد العالم، وثقافته، وحتى سلوكياته.

لم تعد المعرفة موجودة في مكتبات الرهبان و الحاخامات السرية، ولا تقتصر إدراك أدوات المعرفة بيد نخب فلسفية وثقافية بعد اليوم، تستطيع السلطة الدينية أو السياسية حظرها، دار الندوة في روما القديمة لم يعد لها وجود،

إعتزال إخوان الصفا عفا عنه الزمن، ولم يعد هناك رسل وأنبياء بعد الآن يدعون حمل رسالة الله، لا يستطيعون حرق كتب إبن رشد جديد بسهولة..

ولكن يستطيعون أن يوهمنا أننا ندرك إيهامهم لنا ونعيه، يخلقون لنا أدوات جديدة ويصبغون عليها صبغة الثورية.. التاريخ لن يسير كما تريد قيم الخير، فالتاريخ ليس تلميذاً مهملاً سيتفوق في الإمتحان السنوي النهائي!

(2)

أتجول في شوارع مدينتي نابلس، وأشاهد (مظاهر) الثروة الطائلة، لوحات اعلانية تضيء بشكل صاخب ومغري، سيارات فارهه، أشخاص يلبسون ثياباً غالية الثمن

محلات الاغذية السريعة والمطاعم والمقاهي تنتشر بشكل سرطاني يهدد محلات المواد التموينية والخضار واللحوم.. جوامع جديدة في كل مكان..

مؤسسات أهلية تنتشر بالمئات لبيع الثقافة الجاهزة، هل هذه نابلس الحقيقية؟..

يحاولون جاهدين طمس نابلس الأصيلة، كما نجحوا في طمس رام الله الأصيلة... لننظر على سبيل المثال كم مصنع صابون أغلق أبوابه في نابلس؟

ماذا حل بالصناعات الحرفية في مدينة نابلس؟ ما هي مصدر البضائع التي تغزو أسواق البلدة القديمة؟

ماذا حل بالحياة الثقافية في نابلس؟..

لنلتفت قليلاً الى التوسع العمراني الحالي في نابلس، حيث تتوسع في الجهة الغربية بشكل واضح، على شكل فلل فخمة حديثة البناء، إيذاناً بالأثرياء الجدد..

فالمشهد لا يتلائم مثلاً مع الأبنية القريبة القديمة في بلدة بيت وزن! فالعنف البصري واضح تستطيع أن تدركه لو سلكت الطريق من بيت وزن (القديمة) نزولاً

نحو مناطق البناء الجديد الفخم!.. هذا ليس إلا مثالاً واحداً فقط، فهناك التوسع في الجنوب الغربي من المدينة..

العمارات في نابلس كارثة أخرى تحاصر المدينة من جنوبها وشمالها، الإتصال العمراني والإداري في القرى المحيطة بنابلس، الذي هدد وسائل إنتاج الفلاحين الذين

لم يصمدوا مع بضائع المدينة الرخيصة المستوردة، ومع ثقافة الإستهلاك.. عدم إدراكنا لأولوية بناء إقتصادنا الوطني بعد إتفاق أوسلو، الذي كرس ثقافة الإستهلاك

وهجرّ فلاحي الريف إلى المدن، ليعملوا في قطاع الخدمات والحكومة، فسقط نمط الإنتاج (الفلاحي) والإكتفاء الذاتي في القرى، بتأثير من ثقافة الإستهلاك ومظاهر الثراء الناشئة..

وسقط أيضاً نمط الإنتاج الحرفي وبدايات نمط الإنتاج الصناعي في مدينة مثل نابلس، إتخذت تاريخياً مكانة حضارية وتجارية..

(3)

93 لكن لماذا تكتب؟:

أ: لست من اؤلئك الذين يفكرون واليراع في اليد؟ ولا من أؤلئك الذين يستسلمون لأفكارهم، أمام الدواة، جالسين والنظر مثبت على الورق_ أغضب وأخجل من كل فعل الكتابة

أن أكتب بالنسبة لي ضرورة_ أنفر من الحديث عنه حتى بالأمثال.

ب: فلماذا تكتب إذن؟.

أ: أجل يا عزيزي، لكي أقدم لك إعترافاً: إلى حد الآن لم أجد بعد وسيلة أخرى للتخلص من أفكاري.

ب: ولماذا تريد أن تتخلص منها؟.

أ: لماذا أريد ذلك؟ هل أقول أنني أريد ذلك؟ إنه شيء ضروري بالنسبة لي.

ب: كفي ذلك!.

*************

192 الخيّرون: ما الذي يميز هؤلاء الأشخاص الخيرين الذين تشع وجوههم بالخير عن سائر الناس؟ إنهم يشعرون بالراحة لدى حضور شخص جديد، ويولعون به بسرعة

لهذا يريدون له الخير، وحكمهم الأول يعني <إنه يروق لي> وتتتابع لدى هؤلاء الأشخاص رغبة التملك، فهم لا يدققون كثيراً فيما يخص قيمة الغير، التملك السريع

فرحة التملك والعمل لصالح الشيء المتملك.

من كتاب العلم المرح، فريدريك نيتشه، ترجمة حسن بورقية، محمد الناجي.

(4)

عند مشاهدتك لتلك اللحظة الرومانسية في نهاية الغالبية الساحقة من أفلام (صناعة الوهم)، حيث يقبل البطل الوسيم، البطلة الساحرة الجمال، قبلة عرمرية غالباً ما تذكرك بمأساتك

بعدم وجود فتاة تقبلها، أو بعد الفتاة إن وجدت المكاني عنك، أو رفض تلك الفتاة (لمفهوم العفة المقرف) أن تقوم بتبادل القبل معك... هذا الشعور يحدث غالباً ولا علاقة له بما تؤمن به من معتقدات وقيم وفضائل..

ولكن الأخطر هو عدم تفكيرك ماذا سيحدث بعد هذه القبلة؟ هل ستنتهي حياتهم في سعادة دائمة ومطلقة؟ هل هذه النهاية الحقيقية؟

انت لا تدرك أن الفيلم هو مجرد جزء من القصة الكاملة لحياة أبطالها (الإفتراضية والخيالية أصلاَ)، وهذه القصة أيضاً مشوهه لأنها تعرض عليك عن طريق شاشة وصور، بمؤثرات صوتية وكاميرات

لا تلتقط سوى جزء من المشهد!.. لا تنخدع عند مشاهدتك لنهاية الفيلم أنها هذه النهاية تنطبق على حياتك الواقعية التي تعيشها..

ولا تعتبر نفسك بطلاً لهذا الفيلم أو ذاك، أو أن تحاول أن تكون هذا البطل، أو أن تتجرأ وتلصق بأحدهم هذه الشخصية أو تلك.. أقل ما في الأمر: هل أنت وسيم كفاية لتكون نجماً سينمائياً؟ لا يوجد نجوم قبيحي المظهر!

لننظر إلى من يذكرون أمثلة من شخصيات الأفلام أو أحداثها ويربطونها بشكل غبي بحياتهم اليومية، إنهم من أكثر الأشخاص بؤساً وضعفاً وإنتهازية لأنهم سيفعلون المستحيل وأي شيء

ليصلوا الى النهاية كما رسموها لأنفسهم، تماماً كقارئي الروايات!

البطلة والبطل وقعا بالحب، ولكن هل سيدوم هذا الحب للأبد؟ هل سيموت البطل في نفس اليوم الذي قبل فيه البطلة؟ كيف ستكون حياتهم مع الأزمة المالية؟

هل سيقدرون على إنجاب طفل؟ ماذا إذا كان البطل عقيماً أو البطلة عاقر؟ أستطيع أن أطرح مئات الأسئلة والنتيجة واحدة: نهاية الفيلم ليست نفسها النهاية الحقيقية للقصة، هذا إذا ظننا ظناً حسناً بالقصة أساسها!.

(5)

بالحديث عن الثورات، علينا أن نطرح السؤال مرة أخرى: هل يمكن اعتبارها ثورات؟.. بعيداً عن كل الشعارات الرنانة والعواطف الجياشة، ودماء الشهداء..

ما يحدث في مصر بعد فوز الإسلامين سيكرس التبعية في ظل الحلف التاريخي الخجول والذي بدأ بخلع ملابسه بين الإسلاميين والأمريكان.. والذي يشكل أيضاً المجلس العسكري طرفاً عضوياً فيه!

وما يحدث في تونس مشابه لما حدث في مصر.. صحيح أن شباب الثورة الذين لا حول لهم ولاقوة يدركون هذه الحقائق.. ولكن مهم أيضاً أن ندركها نحن!

فلا نمجد الثورة وكأن ما حدث هو النهاية السعيدة والتي يريدها الشعبين المصري والتونسي!

أنا أدرك أن ما حدث في ليبيا والآن سوريا هو مؤامرة حقيقية لإسقاط هذه الأنظمة.. أنا أدرك أن النظامين السوري والليبي أنظمة قمعية وفاشية، لكن من حل أو سيحل محلها؟

في ليبيا الإسلاميين والقبائل والعشائر وقيادات في تنظيم القاعدة، والمصيبة الأكبر أن تم إسقاط النظام عن طريق حلف الناتو..

في سوريا يريدون سيناريو مشابه، فالتدخل العسكري البري المباشر سقط سقوطاً ذريعاً في العراق وأفغانستان، فالإمبريالية تبحث عن طرق أسهل، وتستغل المعارضة (العميلة) وليس المعارضة الوطنية الحقيقية

في سبيل تحقيق مصالحها...

إن ما يحدث في سوريا اليوم مؤامرة ضد الشعب السوري وموارده الطبيعية وإقتصاده الوطني، إن سقط النظام في سوريا من سيحكم؟ غليون وباقي عملاء المجلس الإنتقالي، الذين يطالبون بتدخل لقوات النيتو

فكروا جيداً، إن سقطت سوريا، ستسقط لبنان... أنا مع إسقاط النظام في سوريا، ولكن مع أن يستلم الحكم المعارضة الوطنية الحقيقية التي هي حاليا قيد التبلور.. وإلا فليبقى النظام ...

أقولها بوجه كل (المثقفين) الذين ينوحون على دماء الشعب السوري البريء الذي يسفك به بشار.. هؤلاء (المثقفين) الذي يعتقدون أن السياسة قانون يسير بإتجاه واحد.. إما ثورة سورية حقيقية أو ليبقى بشار..

بما يتعلق في اليمن، فالمؤامرة الكبيرة ضد شباب الثورة من قبل الحكومة والمعارضة ودول الخليج وأمريكا..

يا من تتغنوا بالثورات، هل هي حقاً ثورات يتغنى بها؟

كم سيكون غدنا جميل، لو حلمنا به قليلاً...

0 التعليقات: